هناك كتّاب يمرّ القارئ على نصوصهم مرور العابرين، وهناك كتّاب يتوقف الزمن عند كلماتهم، كأن الحروف تتحوّل إلى مرايا داخلية. سوار الصبيحي ــ أو كما يحب جمهورها أن يلقّبها كريوتشا سوار ــ واحدة من هؤلاء النادرين.
حين نفتح كتابها “الماتريوشكا”، ندرك أن كل طبقة في النص تفتح طبقة فينا، وأننا لا نقرأها بقدر ما نُقرأ عبرها. القراءة عندها ليست مجرد متابعة للحروف، بل مشاركة في نبضها، في لحظتها، في إحساسها العميق بالعالم. فجأة، يجد القارئ نفسه مكشوفًا أمام ذاته، وكأن سوار وضعت يدها على قلبه وهمست:
“ها أنت… ها شعورك… ها أنت حيّ في الكلمات.”
سوار الصبيحي لا تكتب لتملأ الصفحة، بل لتملأ الفراغ الذي يتركه العالم في قلوبنا. كل تفصيل، كل رمز، كل صمت بين السطور، وكأنه فهم مسبق لما نخشاه، لما نأمل به، لما نخفيه عن الآخرين وعن أنفسنا. هنا، يصبح النص أكثر من مجرد حكاية؛ يصبح تجربة تقترب من الاعتراف، من الكشف، من قبلة ناعمة على القلب.
أعمال سوار الصبيحي لا تُقرأ كما تُقرأ بقية الكتب، بل تُعاش كتجربة اعترافية. إنها تجعل القارئ يشعر أن أحدًا أخيرًا فهم صمته، التقط ألمه، وشارك نبضه. وهنا يتحوّل النص إلى قبلة معنوية، يخرج منها القارئ أكثر وعيًا بإنسانيته، وأكثر يقينًا أنه لم يكن وحيدًا يومًا.
لقد صنعت سوار بمجموعاتها القصصية علامة فارقة، ليس فقط لأنها تُحسن الحكي، بل لأنها تكتب من منطقة نادرة: حيث الصدق العاطفي يلتقي بالجرأة التعبيرية، وحيث الكلمة لا تكتفي بالشرح بل تمنح القارئ إحساسًا بأن حياته وُضعت بين يديها. وقد لخّص أحد قرّائها هذا الأثر حين قال بعد أن أنهى الماتريوشكا:
“لم أقرأ كتابًا، بل عشت حياة أخرى داخله، واكتشفت أنني أنا الماتريوشكا التي فتحتها سوار.”
إن سوار الصبيحي لا تقدّم نصوصًا تُقرأ ثم تُترك على رفّ، بل تقدّم مرايا متداخلة كالماتريوشكا الروسية، حيث تنكشف طبقة بعد طبقة، وحيث القارئ في النهاية لا يجد سوى نفسه في الداخل. إنها تكتب لتفتح أبوابًا مغلقة في أرواحنا، وتعلّمنا أن كل صمت فينا قابل لأن يتحوّل إلى كلمة، وكل خوف يمكن أن يُترجم إلى معنى، وكل ألم قادر أن يُصبح اعترافًا جميلاً.
وهكذا، حين نغلق كتبها، لا نغلقها حقًا؛ بل نغلق أعيننا لحظةً ونبتسم، كأننا خرجنا من حضنٍ أدبيٍّ ناعم، تاركين جزءًا منّا بين سطورها، وحاملين قبلة خفيّة على قلوبنا من يد كاتبة تعرف كيف ترى ما لا يُرى، وتقول ما لم نستطع قوله!!
لمى أبولطيفة
اكتشاف المزيد من Romav
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.