​زينب القيسي.. مِبْضَع الجرّاح في جسد القصيدة

تُعدّ زينب القيسي واحدةً من الأصوات الشعرية التي تمارس الكتابة كفعل “تشريح” للذات والواقع؛ فهي لا تكتفي برصد الألم، بل تعيد صياغته في قوالب فلسفية وسريالية صادمة. تتميز تجربتها بالاشتغال على “شعرية الفقد” والاشتباك مع اليومي المثقل بالهزائم، حيث تتحول القصيدة عندها إلى مساحة للمواجهة بين الذاكرة الهشة والواقع الصلب، وبين الحب كخلاصٍ والحب كفخّ.
​في نصها هذا، لا تكتب زينب القيسي شعراً بالمفهوم الكلاسيكي، بل تمارس “جيولوجيا الروح”؛ تنقب في طبقات الألم لتصل إلى الصخرة الصلبة التي تتحطم عليها الأوهام. إنها تضعنا أمام نصٍّ مشحونٍ بالتوتر، حيث اللغة ليست أداةً للتعبير فحسب، بل هي ساحةٌ للجريمة الوجودية التي يمكن تشريح ملامحها في النقاط التالية:
​1. تشريح “المكان السائل”: اغتيال الاستقرار
تبدأ الشاعرة بالدلالة (سأدلك)، وهي حركة توحي بالثقة، لكنها سرعان ما تهدم هذا اليقين بالإعلان عن “الرحيل الوشيك”. البيت في مخيلة القيسي ليس جدرانًا، بل هو “حالة مؤقتة” تكتسب صفة “السيولة” لا الصلابة؛ فهو “خسارة مؤجلة” و”ترانزيت” وجودي يسكن فيه الإنسان في حقيبة سفره لا في جغرافيا ثابتة. حتى الأفق والشرفة ليسا رمزين للاتساع، بل هما “انفتاح مؤقت” محكوم بالزوال، تضيق فيهما الرؤية رغم اتساع البحر.

​2. البيولوجيا الشعرية: القلب كـ “ثمرة” والجسد كـ “خريطة”
تنتقل القيسي إلى تشريح الأعضاء برؤية بيولوجية تحول المعنوي إلى مادي ملموس. فـ “رمانة القلب” ليست مجرد استعارة، بل هي مخزن لذكريات حمراء “فرطتها” السنين حبةً حبة في فعلٍ تدميريٍّ هادئ. أما الربط بين (الحبيب) و(الرصاصة) فهو تشريح للعلاقة القاتلة؛ فالرصاصة لا تدخل الجسد لتبقى، بل لتحدث فجوة، تماماً كما أن اسم الحبيب لا يستقر في القلب، بل “يرتجف على اللسان”، وكأن اللغة ترفض استيعاب ثقل هذا الاسم الذي صار أداة اختراق وجريمة.
​3. سيمياء الحرب: الخيانة العظمى للرموز
تذهب الشاعرة أبعد في تشريح “المشهد العام” حيث تتشوه الفطرة وتنتقل الحرب إلى أصغر تفاصيل الوجود. (العصافير التي تتصيدنا) هو “قلب أدبي” عبقري يفسر فساد العالم في زمن الحرب؛ فالكائنات التي نثق بسلامها أصبحت “أدوات مراقبة”. وصولًا إلى “مناوبة الخوف” التي تحول الشعور من حالة نفسية إلى “نظام إداري” أو “دوام رسمي” للروح، واليقظة هي العقوبة التي تلي الحلم للانتظام في طابور الواقع المرير.
​4. أنطولوجيا الغياب: الحبيب في صف “العساكر”
التشريح الأكثر إيلامًا هو وضع “الحبيب” في صف “العساكر”. الحبيب هنا لا يقف في الجانب المقابل للحرب، بل هو يسير فوق “العظام” معهم، حاملًا “راية الهرب”. هذا المشهد يشرح “انفصام الشخصية” في الأزمات؛ كيف يمكن لمن نحب أن يصبح جزءاً من الآلة التي تدهسنا، وكيف يصبح الهرب هو الملمح الوحيد المتبقي له في لحظة المواجهة العاطفية.

​ثالثًا: زينب القيسي.. لسانُ حالِ الخائفين
بعيدًا عن أدوات النقد ومشارط التحليل، لا بد من كلمة حق؛ فكل ما كُتب وما سيُكتب ليس إلا محاولة لتقديم امتنانٍ خالصٍ منا كجمهور لهذه الشاعرة. إن ما تفعله زينب القيسي ليس مجرد رصٍّ للكلمات، بل هي “تحكي عنا”، تقتحم تلك المناطق المظلمة في أرواحنا التي عجزنا عن وصفها، وتشرحنا بصدقٍ جارح حين نخاف من مواجهة أنفسنا. نحن مدينون لزينب لأنها تمنح “خيباتنا” شرعيةً أدبية، ولأنها تحول “مناوبات خوفنا” الجماعية إلى نصٍّ خالد يجعلنا نشعر أننا لسنا وحدنا في مواجهة هذا العراء الوجودي. هي تكتب لننجو نحن من صمتنا.
​ورغم كل هذا، يظل نص زينب القيسي محتفظًا “بنواته الصلبة” التي لا يمكن كسرها. إننا كقراء نملك الأدوات لتفكيك “الصورة” و”البنية”، لكننا نقف عاجزين تماماً أمام “اللحظة الشعورية الخام” التي دفعت الشاعرة لكتابة تلك “الآه” المخبأة بين السطور. فنحن ندرك أن فهمنا للنص سيظل مقتصرًا على قشور اللغة، أما الجرح الحقيقي، ذلك الذي سال منه حبر “مناوبة الخوف”، فهو سرٌّ مقدس يخص زينب وحدها. فالمشاعر، في أقصى تجلياتها، هي “لغة خاصة” لا تترجم، وما نحن إلا عابرون على ضفاف وجعها نحاول تفسير “البحر” بينما هي وحدها مَن تغرق فيه؛ فلكل كاتبٍ “شيفرة ألم” لا يفكها التأويل، وفهمنا يظل قاصرًا أمام جلال المشاعر الحقيقية.

لمى أبولطيفة

By لمى أبو لطيفة

كاتبة مسرحية من أصل فلسطيني وتحمل الجنسية الأردنية لها العديد من المسرحيات المعروضة في مسارح مدينة الناصرة، عمان وبلغراد الصربية وأبو ظبي أبرزها مسرحية يد خضراء والحنين، خطوة لورا وبتوصل، أثناسيوس، وأميرة صربيا، ووطن بالهوا، وآخرها مسرحية "حين ذبحتِ الهوى" إضافة إلي العديد من المقالات والنصوص المنشورة في مجلات وصُحُف محلية وإقليمية

2 thoughts on “​زينب القيسي.. مِبْضَع الجرّاح في جسد القصيدة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *