خلال الأسابيع الأخيرة، شهد المشهد السياسي الكردي تحركات منفردة لبعض الأحزاب والمنظمات الكردية نحو دمشق، في محاولة لفتح مسارات منفردة مع سلطة الأمر الواقع بعيدا عن الأطر الجماعية التي تم التوافق عليها، ووفقاً للتسريبات، فإن بعض هذه التحركات جرت في الخفاء، وأخرى جرت علناً وبالكثير من “الزيطة والزمبليطة”.
هذا التوجه أثار الكثير من الأسئلة، ولا سيما أنه يأتي بعد فترة قصيرة من انعقاد كونفرانس قامشلو في 26 نيسان، وهو المؤتمر الذي خرج بتفاهمات واضحة شدد على ضرورة وحدة الموقف الكردي وأهمية التحرك ضمن رؤية مشتركة وضمن وفد كردي مشترك.
ولهذا إن الخطوة الحالية التي اتخذتها بعض الأحزاب والمنظمات الكردية للتوجه بشكل منفرد إلى دمشق، خصوصا تلك المشارِكة في الكونفرانس، تعد خروجا سياسيا عن الالتزامات التي تم الإعلان عنها أمام الشارع والرأي العام.
وبخاصة أن هذه التحركات تأتي في سياق أوسع يظهر سعي السلطة وبالتعاون مع حليفتها تركيا إلى تجنب أي اعتراف فعلي بالحقوق القومية والوطنية للشعب الكردي، عبر تقديم مقاعد شكلية لا تمسّ جوهر المشكلة ولا تقترب من متطلبات الحل العادل. فالاعتراف الحقيقي لا يكون عبر مواقع شكلية أو بروتوكولية ، بل عبر تغييرات دستورية وسياسية واضحة تضمن الحقوق وتقر بوجود الشعب الكردي كشريك وطني أصيل على أرضه التاريخية.
وكما يقول المثل: (من شب على شيء شاب عليه )، حيث يبدو واضحا أن الرئيس السوري المؤقت الجولاني أو محمد الشرع لديه خبرة واسعة في التحرك عبر الأبواب الخلفية، حتى قبل وصوله إلى سدة الحكم مستغلا الفرص لتنفيذ نفوذه.
حيث ومنذ يومه الاول في الحكم نسمع من خلال الإعلام وبشكل شبه يومي على شكل “تسريبات إعلامية” عن اتصالات خلفية غير معلنة للجولاني ووزير خارجيته الشيباني مع العديد من الأوساط والشخصيات البارزة عربية، أميركية، أوروبية، رورسية وحتى مع شخصيات ورموز اسرائيلية بارزة تتحرك فيه بعض القوى الإقليمية والدولية وفق مصالحها بعيدا عن الأضواء، وهذا التوجه ينسجم إلى حد بعيد مع مصالح الجولاني أيضا الذي يسعى خلال عامه الاول في السلطة إلى تثبيت نفوذه عبر هذه الأبواب، ويحاول إسقاط ذلك على الداخل السوري لتجنب الخوض في الملفات الحساسة، وعلى رأسها الملف الكردي، في محاولة لنسف الحقوق القومية للشعب الكردي وإضعاف موقفه الموحد، ومن هنا فالمسارات الفردية لبعض الشخصيات والمجموعات الكردية الهامشية واللاهثة وراء المال والمناصب تمنحه فرصة لتعزيز شرعية شكلية دون تقديم أي التزام حقيقي تجاه القضية الكردية.
أن محاولة استقطاب بعض “اللاهثين واللاهثات للمواقع والمناصب” عبر الأبواب الخلفية لا تعبر عن انفتاح سياسي، بل عن رغبة في إدارة المشهد بما يخدم سلطة الأمر الواقع وحليفتها تركيا، بعيدا عن الحلول الجدية أو الاعتراف بحقوق المكونات السورية، وفي مقدمتها الشعب الكردي.
ما نراه اليوم من تطبيل لسلطة الأمر الواقع بقيادة الجولاني، في ظل احتضانها العشرات من التنظيمات ولشخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد الشعب الكردي في عفرين وسريكانية وگري سپي – وبخاصة قادة العمشات والحمزات- ناهيك عن الجرائم التي ترتكب يوميا بحق العلويين والدروز وحتى الكرد في حلب، لايمثل فقط مجرد خروج عن الإجماع الكردي، بل يعكس ايضا إفلاسا أخلاقيا وإنسانيا، فسياسة التقارب مع سلطة تعج بالعشرات من الإرهابيين والمتورطين في الجرائم يطعن في القيم الديمقراطية والإنسانية عند تلك الجهات ويمنح شرعية لمرتكبي الانتهاكات.
اليوم، يقف الشارع الكردي أمام مفترق طرق بين الالتزام بالعمل المشترك الذي يضمن قوة الحضور السياسي، وبين الانجرار وراء مبادرات فردية قد تؤدي إلى إضعاف الموقف العام. لذلك تبدو الحاجة ملحة لإعادة التأكيد على وحدة الصف، واحترام مخرجات كونفرانس قامشلو، ومواجهة أي محاولات للالتفاف على الحقوق عبر الأبواب الخلفية. في النهاية، لا يمكن حل القضية الكردية عبر تعيينات وهمية أو تفاهمات فردية، بل عبر موقف جماعي قوي وإطار تفاوضي واضح يعكس إرادة الشعب الكردي وتطلعاته




