عبدالعزيز قاسم
تثير دعوة حكومة آحمد الشرع (الجولاني) لحزب كردي صغير ومنظمة نسائية كردية محدودة الحضور السياسي أسئلة عميقة حول طبيعة الرسائل التي يحاول الرجل إيصالها، ليس فقط للكرد، بل للمشهد السياسي برمته.
فبينما تتجاهل حكومته، القوى الكردية الفاعلة ذات الثقل الشعبي والسياسي الحقيقي—تلك التي ترفض التنازل عن الحقوق القومية وتصر على تمثيل شعبها بوضوح—تلجأ في المقابل إلى استحضار أطراف هامشية لا تمتلك القدرة على التعبير عن المزاج العام للكرد أو الدفاع عن مطالبهم التاريخية.
هذه المفارقة تزداد حدّة حين تتزامن مع خطابات تعبوية أطلقها أنصار الشرع في الشارع في الأيام القليلة الماضية، رفعت فيها شعارات معادية للكرد، بل وصل بعضها إلى حدّ الدعوة لإهانة شعب كامل عبر رموز مثل “صناديق البويا” وغيرها من الإشارات التي تحمل في سياقها استخفافا واضحا بالهوية القومية الكردية. وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل يسعى الشرع إلى تقديم صورة شكلية عن “انفتاحه” على الشعب الكردي عبر أطراف ضعيفة، فيما يطلق رسائل إقصائية عبر الشارع؟ أم أنّ الأمر يعكس يأسا سياسيا من القدرة على التعامل مع القوى الكردية الحقيقية، فاختار طريقا أسهل يقوم على تمييع التمثيل الكردي وإضعافه؟
بهذا الأسلوب، يبدو أن الشرع يجمع بين خطابين متناقضين: خطاب رسمي يحاول الإيحاء بالشمولية والتوازن، وخطاب شعبوي يستثمر في الانقسام والتحريض، الأمر الذي يضع علاقته بالشعب الكردي أمام معادلة شديدة التعقيد، ويكشف عن ارتباك في إستراتيجية التعامل مع قضية لا يمكن تجاوزها أو تسويتها عبر قوى لا وزن لها في الواقع.
وطالما أن الاختراق أصاب المجلس الوطني الكردي عبر حزب صغير ومنظمة نسائية، فإن مسؤولية المجلس في هذه اللحظة تفرض عليه قدرا عاليا من الحزم والوضوح، فالمشكلة هنا ليست في حجم هذه الجهات بقدر ما هي في الدور الذي يراد لها أن تلعبه داخل بنية سياسية تعاني أصلًا من محاولات متكررة لإضعاف تمثيل الكرد وتشتيت أصواتهم.
وما يزيد تعقيد المشهد ويجعل المسألة أكثر حساسية أن كِلا الجهتين اللتين استُخدمتا كمدخل للاختراق—الحزب الصغير والمنظمة النسائية التي لا تتمثل إلا برئيستها—هما في الأصل أعضاء داخل المجلس الوطني الكردي، وهذا يمنح عملية الاختراق طابعا مختلفا تماما؛ فهي لا تأتي من خارج البنية السياسية الكردية فحسب، بل تتسلل عبر بواباتها الداخلية مستغلة ثغرات في آليات العضوية والتمثيل.
وجود هذين الطرفين داخل المجلس يمنح أي جهة خارجية فرصة للتأثير على موقف المجلس الوطني الكردي نفسه، عبر استخدام تمثيل هش أو محدود النفوذ لإضفاء شرعية شكلية على مواقف لا تحظى بتوافق كردي واسع، وهذا يضع المجلس في اختبار حقيقي: هل يستطيع حماية بنيته من الداخل كما يحمي موقفه السياسي في الخارج؟ أم أنّ ضعف الضوابط التنظيمية سيحول هذه العضويات الهامشية إلى أدوات ضغط تستخدم في لحظات التفاوض أو إعادة ترتيب الاصطفافات؟
إن استمرار هذا النوع من التمثيل غير الفعال داخل المجلس يهدد بتحويله إلى إطار يمكن التأثير فيه بسهولة، ويقوض الجهد المبذول لصياغة موقف وطني كردي موحد.
وكذلك إن استمرار المجلس الوطني الكردي في العمل من دون مراجعة جادة أو محاسبة اعضائه قد يمنح هذه الاختراقات فرصة أكبر للتوسع، ويفرغ الوفد الكردي المشترك من مضمونه. لذلك فإن الحزم المطلوب من المجلس ليس خيارا تنظيميا فحسب، بل ضرورة لحماية شرعية التمثيل السياسي الكردي، ولضمان ألّا تتحول المبادرات الهادفة إلى توحيد الصف إلى منصات شكلية تخدم أطرافا أخرى وتسعى إلى إعادة صياغة المشهد الكردي وفق مقاسات لا تعكس مصالح الشارع ولا تطلعاته.




