الكرد في حقبة حافظ الأسد ( ١٩٧٠ – ٢٠٠٠ )

روماف – رأي 

الكرد في حقبة حافظ الأسد
( ١٩٧٠ – ٢٠٠٠ )
من الواضح أن البعض, من غير المطلع وغير المتعمق بالشأن السوري, او المنحاز لنظام الاستبداد البعثي ، يعتبر عهد الاسد- ارحم- تجاه الكرد, وهذا ليس دقيقا, ففي عهده بلغت وتائر الاضطهاد القومي ذروتها الى جانب قمع الحركة الوطنية السورية, وهو جاء أساسا عبر انقلاب عسكري على رفاقه وأذاقهم شرالعذاب ومعظمهم قضوا في السجون والمعتقلات, وفي دراسة احصائية نشرتها باسمي في أواخر عهده بجريدة – الاتحاد – لسان حال
منظمة حزبنا آنذاك في الخارج
, توصلت استنادا الى معلومات دقيقة الى نتائج مذهلة, حيث بلغ عدد المعتقلين الكرد لمدد زمنية من شهر الى 13 سنة في سنوات حكمه لأسباب سياسية قومية – 17000- وعدد الذين استجوبوا لدى دوائر الأمن- 21000-, والذين جردوا من الحقوق المدنية- 51-, وهجرت مئات العوائل الكردية الى الخارج والآلاف الى الداخل السوري
, حيث أقيم في عهده مجمع
– زورافا – القريب من العاصمة دمشق, وفي عهده وللمرة الأولى أنشىء مكتب أمني مختص بالملف الكردي باشراف القصر الجمهوري بادارة الضابط- محمد منصورة- لتنظيم سبل الاضطهاد القومي والتهجير والارهاب, والأخطر من كل ذلك وضع ميزانية وتفريغ خبراء
لتفتيت الحركة القومية الكردية, وفي المقدمة القضاء على البنية التحتية لليسار القومي الكردي ممثلا آنذاك بحزب الاتحاد الشعبي, واستمالة وتجنيد بعض العناصر المسؤولة في هذا الحزب..
سقط أول شهيد كردي- سوري في عهد الرئيس حافظ الأسد عام 1990, –
سليمان أدي-, بنوروز أمام القصر الجمهوري في دمشق خلال تظاهرة سلمية للمطالبة بحرية الاحتفال بالعيد القومي, والمفاوضات بشأن استلام جثة الشهيد التي قادها من الجانب الكردي السيد- ربحان رمضان- عضو اللجنة المركزية لحزب الاتحاد الشعبي والسيدة-
وصال فرحة- قرينة الراحل- خالد بكداش- عن الجانب الحكومي.
في عهد الرئيس حافظ الأسد وبمبادرة منه, انعقدت أولى الجلسات – الثلاثية – الأمنية والسياسية (1992) بين دول سوريا وتركيا وايران, بهدف التضييق على الحركة الكردية في البلدان الثلاث, واجهاض تجربة الادارة الكردية في كردستان- العراق, وتتالت الاجتماعات بين دمشق وانقرة وطهران وكان من المقرر اشراك عراق- صدام حسين-
أيضا.
في عهده حصلت مجزرة سجن الحسكة عام 1993 التي حصدت أرواح ستين سجينا من الكرد لأسباب عنصرية, وذلك بتواطىء مباشر من العميد محمد منصورة, وقد انفرد حزبنا بنشر الوقائع الكاملة للحدث في ثلاثة بيانات متتالية منشورة سلمت الى الهيئات الدولية
ومنظمات حقوق الانسان..
في عهده وللمرة الأولى, تم استحداث مكتب أمني خاص بـ “الملف الكردي” الذي يشمل كل مايتعلق بكرد سوريا والمحيط والعالم, وعين الضابط المنتمي الى الطائفة العلوية- محمد منصورة-, المتمتع بثقة الرئيس حيث سماه- كبش الجزيرة-, على رأسه مع صلاحيات مالية وادارية واسعة, حيث تمكن في مدة وجيزة من جمع وتوثيق أرشيف الحركة الكردية الموزع بين عشرات الأجهزة والفروع والمكاتب منذ الانتداب وحتى تاريخه, ونجح خلال اقامته الطويلة في القامشلي (جاء أواخر سبعينات القرن الماضي رئيسا لمكتب الأمن العسكري في القامشلي من مكان عمله السابق في محافظة دير الزور, وكان برتبة نقيب وترك القامشلي بين 2004 – 2005 وهو برتبة لواء) في بناء علاقات وفرض صداقات
تخطت الحدود المعقولة, فكما جرت العادة عندما يستلم مسؤول أمني أو اداري مهامه في القامشلي تتم عملية استلام وتسليم, فالسلف يسلم الخلف الأعوان والمخبرين ومصادر المعلومات والمفاتيح الاجتماعية والعشائرية, والذين عادة كانوا بغالبيتهم من سكان المدينة ومن فئات معينة, ولكن- محمد منصورة- تجاوز المألوف وتمكن من استمالة السياسيين والتجار وزعماء العشائر والقبائل والعائلات والمثقفين والموظفين والمهربين من النساء والرجال في جميع أرجاء محافظة الحسكة, وبنى شبكة متشعبة من الموالين والمخبرين. أخطر ما قام به هو جمع واعداد مجموعة من المثقفين الكرد الموزعين بين القامشلي والحسكة وحلب ودمشق, وأغلبهم كان ومازال قريبا من حزب العمال الكردستاني, وبينهم بعض الكفوئين من صحافيين وكتاب, ليقدموا له دراسات وتقارير دورية حول القضية الكردية في سوريا وتركيا والعراق. كما استثمر عددا من الشخصيات التي كانت متأثرة بالسيد- عبد الله أوجلان- خلال اقامته أكثر من عقد في سوريا, مكشوفا هو ومن معه أمام عيون أجهزة المخابرات السورية. ونظم أيضا العلاقة مع بعض القيادات الحزبية الكردية وخاصة اليمينية, التي كانت تمده بالمعلومات والمقترحات لتسهيل مهامه في اختراق وتفتيت أحزاب الحركة الكردية وخاصة, المعارضة منها للنظام وبشكل أخص, حزبنا والتيار اليساري القومي الديموقراطي عامة, وكان بالمقابل يوزع المكافآت والعلاوات بسخاء من ميزانية مكتب- الملف الكردي-, ويقوم بالتغطية المالية وتوفير وثائق السفر لمن يريد ارساله من أولئك المتعاونين الى بلدان مجاورة خاصة العراق وتركيا ولبنان, وأحيانا أوروبا بمهام خاصة, ومن المتوقع واذاما انكشفت أوراق وأسرار السيد- منصورة- في يوم ما حول فضائحه المالية والأخلاقية, أن يحدث مايشبه الزلزال في الجزيرة والمناطق الكردية الأخرى, ويؤدي الى انفضاح أمر عدد كبير من النساء والرجال من شخصيات سياسية واجتماعية ودينية واعلامية وقبلية, وعائلات وسيدات مجتمع ومهنيين ومسؤولي
أحزاب.
الى جانب كل ذلك كان يحاول استقطاب الناس بالخداع والظهور بمظهر الحمل الوديع المسالم, فيحضر تعازي ومناسبات اجتماعية. وقد علمت أنه حضر بصورة مفاجئة فاتحة المرحوم والدي في خيمة العزاء التي أقيمت في قريتنا جمعاية, رغم كل مواقفه المعادية.
, وقد تعاطى المسؤول الأمني اللواء- مصطفى التاجر- قبل انتحاره أو نحره- بحكم عمله في حلب مع الملف الكردي في المحافظة (جبل الأكراد وكوبانية ومركز المدينة) وبتنسيق
مباشر مع منصورة ويقال بتبعية مطلقة له.
في عهده وباشراف اللواء- محمد منصورة- تم وضع خطط “تكريد الصراع” وتأليب ب ك ك, ضد الحركة الكردية في سوريا, وضد الحركة في كردستان- العراق, وقبل ذلك احتضان انشقاق الاتحاد الوطني الكردستاني واعلانه في دمشق, وتقديم الدعم المادي واللوجستي والتسليحي لمواجهة الحزب الديموقراطي الكردستاني في مرحلة القيادة المؤقتة. بعدها وبدفع من نظام الأسد تم توسيع رقعة الاقتتال الداخلي في كردستان- العراق, ومحاولة تنفيذ مخطط “الكوريدور” القاضي بربط سوريا مع ايران بموافقة تركية مشروطة بتوجه ب ك ك نحو قضايا العراق وايران, والابتعاد عن الساحة التركية, وانشاء مكتب الشؤون الكردية الذي انيط به الى مسؤول الامن العسكري, وهناك وثيقة سرية تكشف عن
تفاصيل المخطط والمشاركين والمنفذين.
ومن أجل تبيان شرور عهده على الشعب السوري عموما, وليس على الكرد فحسب,
أستشهد هنا بمقطع كتبه الناشط السوري والسجين السياسي السابق السيد- شبلي شميل-
ونشر في الاعلام في ديسمبر 2010: “بعد عشرة أيام، مناسبة الذكرى الأربعين لما يسمى في الأدبيات الرسمية السورية” الحركةالتصحيحية بزعامة القائد إلى الأبد حافظ الأسد”.

وتصادف هذا العام يوم عيد الأضحى المبارك.
لن أستعرض العقود الأربعة، لأن ذلك يصيب بالقرحة، ويكفيني ما أنا فيه من أمراض. فعن ماذا أحدثكم، عن توحيد مركز القرار بيد شخص واحد وتأصيل عبادة الشخصية، عن تفعيل محكمة أمن الدولة من العام الأول بأحكام تصل للإعدام لترهيب الرأي غير المنضم لركب الرئيس، محاكم ميدانية، محاكم عسكرية، مجازر من سجن تدمر لمأساة حماه، وضع حد لاستقلال النقابات المهنية والعمالية، عسكرة البلاد والجامعات، زج أكثر من مئة ألف سجين سياسي في السجن، مقتل أكثر من 25 ألف إنسان في العدوان على المدن (من 1980 إلى 1982). وإعادة بناء طبقة أغنياء جديدة غير انتاجية من الكومبرادور ووكلاء
الاستيراد والتصدير والخدمات على حساب المشاريع الإنتاجية.
استفادت السلطة أول عهدها من المال الخليجي، ثم حصلت عليه خوة من هنا وهناك.. ما سرق وهرب لخارج البلاد جعل من أشقاء الرئيس القائد يعيشون في ماربايا وباريس عيشة أمراء الخليج.. التعابير السورية في الرمرمة (نسبة لرامي مخلوف) والدوجنة (من عمل قادة المخابرات في كل أشكال السمسرة والشراكة بما في ذلك مزارع السمك والدواجن) كل ذلك لم يمنع الإبن من تراث الأب فيه شيئا، بل عززه بانفتاح عشوائي لكل صاحب مال
يؤمن بأن الركود السياسي عامل ازدهار للنشاط الاقتصادي.
الحصيلة مرة .. لكن في هذه الحصيلة تأصلت قضية غياب الأخلاق تماما وغياب مفهوم التسامح السياسي أو الحوار مع الآخر .
– بتصرف عن الجزء الثاني من مذكراتي ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” ١٩٧٥ – ٢٠١١ .

المصدر : الحوار المتمدن