سوريا والسودان ضحية الصراعات وسياسات لي الأذرع

عزالدين ملا

الصراعات الدولية والمنافسة بين العمالقة تنتقل من مكان إلى الآخر ولغايات تدركها تلك الأطراف، وما افتعال الحرب بين طرفي الصراع في السودان إلا تنافس بين أمريكا وروسيا، لتوسيع جبهات الصراع وتخفيف الضغط من جهة، وزيادة الضغط من جهة أخرى.

وما يحصل في السودان صورة أخرى لما حدث ويحدث في سوريا، هو لَيْ الأذرع والسيطرة على الثروات والتحكم بالمنافذ البرية والبحرية، والخاسر الوحيد فقط هو الشعوب الرازحة تحت رحمة تلك الصراعات.

المشهد السوداني أكثر سخونة من المشهد السوري، مع العلم أن المتصارعين في السودان هم أنفسهم في سوريا، وكأن المتنافسين يعدون العدة لنقل أدوات الصراع من سوريا إلى السودان، أو قد يكون فقط للإلهاء والضغط.

1- ما تحليلك لكل ما يجري الآن على الساحة السودانية من جهة والساحة الشرق الأوسطية من جهة أخرى؟

2- برأيك، ما هي الغايات الظاهرة من الحدث السوداني، وأيضا ما هي الغايات الخفية بين المتصارعين الكبار؟

3- هل ستكون مجريات الأحداث في السودان نهاية الصراع في سوريا؟ ولماذا؟

4- كيف تقيّم كل ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط والعالم؟ وما هو المخرج بالنسبة لشعوب المنطقة عامة والشعب السوري على وجه الخصوص؟

لا سبيل لحل الأزمة السورية إلا بالتفاوض السلمي

تحدث رئيس مكتب العلاقات العامة لتيار المستقبل الكوردي في سوريا، فادي مرعي لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «ان ما يجري في الساحة السودانية تعود إلى عام 2019، بعد أن ازاح الجيش الرئيس السابق عمر حسن البشير الذي حكم البلاد لثلاثة عقود. وتوقف الانتقال نحو الحكم المدني الكامل الذي أعقب ذلك في أكتوبر 2021، بسبب انقلاب عسكري بقيادة قائد القوات المسلحة السودانية ورئيس الدولة بحكم الأمر الواقع اللواء عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو، رئيس قوات الدعم السريع.

إن الأزمة السياسية الحالية تبدو مختلفة عن كل ما سبقها من الأزمات التي أفرزها الصراع على السلطة، وذلك لأنّ المؤسسة العسكرية السودانية لم تعد الآن متماسكة تحت قيادة موحّدة مثلما كان عليه الحال من قبل، وإنما تتنازعها قيادتان تحاول كل منهما استمالة فصيل مدني إلى جانبها. فقائد قوات الدعم السريع، على سبيل المثال، يتهم القائد العام للقوات المسلحة السودانية بأنه ينتمي إلى تيار الإسلام السياسي الذي يحاول إعادة إنتاج نظام البشير، على الرغم من أنه هو نفسه نتاج نظام البشير الذي عيّنه قائداً لقوات الدعم السريع. لذا يمكن القول إن الطموحات الشخصية تؤدي دوراً مهماً في الأزمة الراهنة، ما يجعلها أقرب ما تكون إلى صراع على السلطة بين جناحين عسكريين منه إلى صراع سياسي بين برنامجين أو رؤيتين مختلفتين، فكل منهما يريد الانفراد بالسيطرة على الجيش حتى يتمكّن من الانفراد بعد ذلك بالسيطرة على السلطة واستعادة “حكم العسكر” من جديد».

وعلى الصعيد الإقليمي، يتابع مرعي: «تتشابك خيوط هذه الأزمة مع أزمات أخرى في المنطقة. ففي تشرين الأول من عام 2020 تمكّنت “إسرائيل” من إحداث اختراق على الجبهة السودانية حين نجحت في إبرام اتفاق لتطبيع العلاقات مع السودان وقّع عليه رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان.

صحيح أن تفعيل هذا الاتفاق يحتاج إلى تصديق البرلمان السوداني الذي لم يتشكّل بعد، لكن الاتصالات بين “إسرائيل” ونظام الحكم القائم حالياً في السودان بمختلف أجنحته لا تزال مستمرة، بدليل تصريح نتنياهو مؤخّراً باستعداده للتوسّط بين الأطراف المتنازعة».

من جانب اخر، يضيف مرعي: «أصبح السودان ملفاً لأجندة خارجية إقليمية ودولية، فكل دولة تجتهد لتحقيق مصالحها وهذا أمر طبيعي، لكن المشكلة أن الأطراف السودانية ممثلة بقواها السياسية ليس لديها مشروع وطني وليست مدركة لحجم المهددات الماثلة أمامها، بخاصة ما يهدد أمن البلاد القومي، بالتالي هناك حال من الفراغ وصراع حول لافتات مختلفة، مما جعل العامل الخارجي أكثر بروزاً في المشهد السياسي، وما يعزز هذا القول ترقب وصول ستة مبعوثين دوليين إلى الخرطوم، يمثلون فرنسا والنرويج والولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا والاتحاد الأوروبي للعمل على تقريب وجهات النظر بين أطراف الأزمة السودانية لدفع العملية السياسية إلى الأمام”. كما أن الأزمة السودانية يأتي في خضم مرحلة يشهد فيها العالم صراع نفوذ بين القوى العظمى ولاسيما بين أمريكا وروسيا وتسعى كل منها بسط نفوذها في اي دولة في الشرق الأوسط أن سنحت لها الفرصة، وهو ما يعني أن النزاع الذي يبدو مسألة داخلية ربما يوجد فيه ما يحرك مصالح الدول الغربية لقطع الطريق امام النفوذ الروسي في افريقيا، وقد يتطلب الأمر إلى حسم الصراع من خلال نشر قوات دولية وإلى فرض حكومة تمثل مصالح الأمريكيين في المنطقة، وإذا نجح ذلك فان هذا السودان سيكون مقدمة لسلسة من الانقلابات العسكرية في افريقيا التي تعيد من خلالها الإدارة الأمريكية تنصيب قادة عسكريين من صناعتها».

يردف مرعي: «صحيح أن الولايات المتحدة لها مصلحة ببقاء البرهان في المشهد ولا مصلحة لها من سقوطه لأن حميدتي يمثل المعسكر الروسي ويتعاون مع قوات فاغنر، ولكن البرهان قد فشل في التجربة السياسية مع استمرار تعنت الشارع السوداني يجعل الإدارة الامريكية في حرج أمام الرأي العام الأمريكي إذا قامت بدعمه في ظل فراغ دستوري، وجبهة شعبية لاتزال رافضة لخطوته الانقلابية وتصر على تحول ديمقراطي حقيقي ينهي مسلسل الانقلابات العسكرية التي تهدم أكثر مما تبني، ومع ذلك فان إدارة بايدن لن تسمح بسقوطه قبل أن يتم الترتيب لمشهد سياسي جديد تحت مظلة التحول الديمقراطي الذي تباركه، وبما أن المرحلة القادمة لن يكون فيها الخيار الشعبي حاضرا فان مسلسل الانقلابات العسكرية سيستمر في كتابة تاريخ ومستقبل السودان.

وفي جهة أخرى يشير مرعي: « لا ننسى بأن الأزمة ظهرت بعد سلسلة تغيرات في المواقف الدولية والإقليمية والعربية منها حدوث بوادر حل نسبية في اليمن، على أثر الاتفاق السعودي- الإيراني، والمحادثات المباشرة بين السعودية والحوثيين، وبعد حدوث استقرار نسبي في ليبيا، ومع بدء خطوات عربية للمصالحة مع النظام السوري كزيارة بشار الأسد لعدة دول عربية، وبالعكس ومحاولة بعض الدول اعادة تمثيل نظام بشار الأسد في الجامعة العربية وبعد سلسلة مصالحات عربية بينية (دول الرباعي العربي وقطر، والمصالحة القطرية مع البحرين)، وأيضا على أثر مصالحات بين دول عربية وتركيا. وكانت الخلاصة الكبرى من العقد السابق، هي ضرورة إنهاء صراعات المنطقة وتقليص التدخلات الخارجية في الشرق الأوسط».

يؤكد مرعي: «ان المشهد في السودان يختلف تماما المشهد في سوريا، ففي السودان صراع داخلي بينما في سوريا تحول الصراع إلى دولي إقليمي، لم تعد هناك قرار الحل بين النظام والمعارضة. أي حل سياسي للملف السوري يتطلب تفاهماً إقليمياً لا سيما بين تركيا والسعودية وإيران وكذلك أمريكا وروسيا وتركيا، بما من شأنه توفير فرصة لحل الأزمة. أن الحرب في سوريا لن تستمر إلى ما لا نهاية.

الأزمة السورية لم يعد شأنًا داخلياً، بل إن الملف السوري بات متعلقًا بمصالح وأجندات القوى الخارجية الإقليمية والدولية، وأن أي تسوية مستقبلية ينبغي أن تراعي مصالح تلك الدول لأن وجود أي تقارب أو تباعد في وجهات النظر بين الأطراف الخارجية المعنية بالأزمة السورية ينعكس بشكل مباشر على حيثيات الصراع الداخلي، كما أثبتت السنوات الماضية من فشل الأداة العسكرية في حل الصراع، لذلك علينا أن نعي أنه لا سبيل لحل الأزمة السورية إلا بالتفاوض السلمي وليس بالعمل العسكري وتنفيذ القرارات الدولية ذات الشأن وخاصة القرار ٢٢٥٤ وتشكيل هيئة حكم انتقالي ومن ثم إجراء انتخابات تحت إشراف دولية، وان تكون سوريا دولة مدنية تعددية ديمقراطية، حقوق جميع المكونات فيها محفوظة، والشعب الكوردي كمكون أساسي أن يكون حقوقها ضمن الدستور السوري الجديد المقرر في المستقبل».

الهوة سحيقة ما بين شعوب المنطقة وطغاة المتحكمين بأمورها

تحدث الشاعر والروائي، إبراهيم اليوسف لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «للأسف، تناول كثيرون، ممن عولوا على الدور الأمريكي في المنطقة، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، ما قيل في- سياسات العولمة- وهي- الاستعمار في أخطر مراحله- بما يناسب إيقاع اللحظة الزمنية التي نمر بها، بكثيرمن الاستخفاف، بل عبر رؤى ساذجة، من خلال عدة- عاطفية- فحسب، نشأت نتيجة التعويل على الأمريكي، من جهة والموقف من الاتحاد السوفييتي الذي كان انتقائياً، في ترجمة رسالته، بعيداً، في الكثير من الحالات، عن جوهر رؤاه التي أحدثت- ثورة حقيقة في العالم، هددت عرش الرأسمالية العالمية، في عقر دارها، وبعيداً عن ديمومة المراجعة والغوص في قراءة أسباب هذا الانزياح عن البنية الفكرية التي تأسس عليها، ولا تتقبل المساومة، وتحت إطار أن لهذا البلد المستهدف مصالحه أيضاً- وكانت في حالات عدة ذات نتائج كارثية عليه، وكان، في التالي، موقف- روسيا- التي يعدها بعضهم وريثة الاتحاد السوفياتي، من السوريين، وثورتهم، أحد أكثر المواقف سوءاً، ولا إنسانية، بحق ما عاناه مكاننا وكائننا!.

ما أردت قوله، والدور الصيني الصاعد حاضر في مساحة التقويم، بدوره، على ضوء قوته المتعاظمة، إن القوى العظمى التي ينبغي أن تكون- أساطين- أو أعمدة العالم، ونقاط ارتكازه، وأمنه، وأمانه، تتصرف- على عكس ما هو مأمول منها- أو ما تدعيه، من خلال خلق واستيلاد بؤر التوتر، وقد نبه المفكرون والباحثون اليساريون، في وقت مبكر، خلال أواخر القرن الماضي، من خطرالعولمة، التي تهدف- إلى خلق الفوضى الخلاقة- كإحدى أدوات ديمومة هيمنتها على العالم، من أجل الوصول إلى مجتمع الثلث. مجتمع العقول العبقرية التي ينبغي أن يخصص المسرح الكوني لأجل حياة هؤلاء، من دون سواهم، وهذا ما كان وراء تفاقم الحروب التي اشتعلت في بداية الألفية الجديدة، وتعد منطقة الشرق الأوسط إحدى أهدافها، للاستفادة من خيراتها، إلى درجة الاستنفاد، وتصحيرالمنطقة- اقتصادياً وبشرياً وزراعياً- وهو ما يؤازر بعض الحكام الذين ابتليت بهم المنطقة على تنفيذ هذه المخططات، من خلال سعي هؤلاء على استمرارية عروشهم، على حساب وجود وحياة ومستقبل من حولهم، وهذا يستهدفهم. ذواتهم- في التالي- إلا إن الغرق في الذاتية، كما يفرضه أي عقل تسلطي يجعلهم في منأى، عن التفكير في مصلحة الوطن والمواطن. لقد أطلت في تناول خيوط أولى أو ملامح بينه من بنية العقل المخطط لكل ما يجري في مناطقنا، من حروب، على حساب تفاصيل الواقع، سواء أكان ذلك في: السودان، أو سوريا، لأن هذه الحروب تبقى تفاصيل، في سلسلة المخطط الذي لن يكتفي بالتهام أخضر مكاننا وكائنه. من هنا لا أرى في الحرب بين طرفي الحرب في السودان: الرئيس عبدالفتاح البرهان ومعه الجيش، من جهة، ومحمد حمدان دقلو- حميدتي كقائد للدعم السريع، أو الجنجويد، من جهة أخرى، في فضاء لاتزال ذيول حرب خمسينيات وثمانينيات القرن الماضي، وماتبعها أثناء وبعد مرحلة عمرالبشير، مهيمنة عليه، ومستمرة».

يتابع اليوسف: «إذا كانت واجهة الحرب الحالية، في الخرطوم، وعدد آخرمن مدن وأرياف السودان قد جاءت على خلفية قرار ضم قوات الدعم إلى الجيش الرسمي، على اعتبار إن أعداد هذه القوات تصل المئة ألف عسكري، ذي سجل خاص منذ خوضه غمارالحرب في دارفور، فإن توقيت اشتعال أوارالحرب، في بلد مفقر، لافقير، ذي مساحة جغرافية كبرى، جاء بعد وشوك إطفاء، وليس انطفاء أوارالحرب في سوريا، بعد أن انكشفت أوراق معتمدي إيقاد نارالحرب عبرمعتمديهم الصغار والكبار، بمن فيهم: رأس النظام الحاكم الذي أوصل البلاد إلى الهاوية. إلى مستنقع الدم والدمار، من دون أن ننسى دور: تركيا الأردوغانية التي تدس أنفها في كل فتنة على مسرح ما تراه الهيكل العظمي لماضي إمبراطوريتها، أو تركتها، كرجل متعملق، وارث للرجل المريض، البائد، تحت ستار الدين، أو سواه، بعد أن فضحت لعبتها، في سوريا، تماماً، من دون أن ننسى الدورالإقليمي- عربياً، لدواع معروفة، مقابل: ثنائية قطبي تركيا-إيران، رغم ما لاح في الأفق من- تفاهمات أولى- بين أدوات الخلاف ذي الجذرالطائفي الذي له ظلاله أو ذيوله على أية أزمة ذاتية، حتى الآن!».

لا يتصور اليوسف: «أن الازمة السورية ستنتهي، بين ليلة وضحاها. آثار وذيول الحرب في سوريا ستظل مستمرة، ما لم يتم التخلص من النظام المتهالك الذي يعيش بـ سندات كفالة- إقليمية دولية، مادامت: إسرائيل وإيران ستظلان تدعمانه، ناهيك عن الدور الروسي- الصيني، والتواطؤ الأمريكي المشين، من دون أن ننسى أو نتناسى كارثية دورالمعارضة، ومحاولة الإجهاز على روح الثورة، عبر إغراقها بقطاع الطرق واللصوص والعابرين،. ما لم يتم عزوف بعض ممولي الحرب عن دعم مرتزقتهم، وإن- ديناميت- الدمارالمستورد، لن ينفد نهائياً وبسهولة- أو بسرعة- من مخازن هؤلاء، ولنا في مسرح الحرب العراقي أقرب وأوضح الأمثلة».

يضيف اليوسف: «ان أنظمة الحكم في المنطقة تتحمل مسؤولية ما آلينا إليه من دمار وخراب، إذ إن خريطة المنطقة قد تأسست بمعزل عن شعوبها، وقد فرضت عليها أنظمة حكم- بشكل عام- بناء على درجة اغترابها عن شعوبها، وخدمة مشغليها، ومطوبيها، وقد نشأت، من هنا، هوة سحيقة ما بين شعوب المنطقة والطغاة المتحكمين بأمورها».

لا يعتقد اليوسف: «أن الأزمة السورية تتطلب التقاء من يمثلون السوريين، حقاً، لا من تم فرضهم عليهم، أشخاصاً ومؤسسات، بعد أن ظهر، منذ بدايات مرحلة الثورة، على سطح مركبة الثورة، أشخاص نهازون، قفزوا من- مركبة النظام- إلى مركبة الثورة، أو من كانوا مجرد بهلوانات، ومهرجين، لا تاريخ نضالياً لهم، كما توالدت مئات إن لم أقل آلاف المؤسسات التي كان هاجس بناة كثيرين منها: حصتهم من الثورة، بعد أن قدموا أوراق اعتماد مزورة، طوبها لهم: رعاة محليون من أمثالهم، أو رعاة دوليون عابرون، ممن لا تهمهم مصالح سوريا وسورييها، على حد سواء. وهنا، أسارع بالقول: ستظل منطقتنا تحت عبء الحروب والفقر والتهجير ما لم يضع حكماء شعوبنا- وهل ستكون لهؤلاء كلمتهم؟- حلولاً جذرياً للأزمات الداخلية في المنطقة- ومنها قضية الشعب الكردي- والضغط على الأسرة الدولية لتغيير سياساتها، في المنطقة والعالم، كي يرتاح العالم من الحروب والدمار، وهذا ما لايمكن أن يبله أباطرة الحروب وتجار الأسلحة الدوليين».

دون وضع حد للحروب لا يمكن بناء عالم يسوده الأمن والأمان

تحدث السياسي، منال حسكو لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «ما يجري الآن على الساحة السودانية والصراع بين الجيش السوداني بقيادة الجنرال عبد الفتاح برهان وقوات الدعم السريع بقيادة الجنرال محمد حمدان دكلو (حميدتي) ليس بمعزل عمّا يجري في العالم من صراعات بين الدول العظمى، وبالأخص أمريكا وروسيا والصين، فبعد الحرب العالمية الثانية وتقسيم العالم إلى معسكرين الأول غربي بقيادة أمريكا والمعسكر الشرقي بقيادة ما كانت تعرف بالاتحاد السوفيتي، وبالرغم من اتفاقيات السلام وعدم انتشار أسلحة الدمار الشامل إلا أن الصراع لم يتوقف لحظة واحدة، فلو عدنا إلى ثمانينيات القرن الماضي وانهزام اتحاد السوفيتي في أفغانستان من طرف المجاهدين بدعم أمريكي ثم الحرب العراقية الإيرانية وحرب الكويت ونهاية حكم صدام وانتقال الصراع إلى الصومال ثم أحداث سوريا والحرب المشتعلة الآن في أوكرانيا كلها تؤكد على ان امريكا لن تتخلى عن اوحادية قيادة العالم، وان يبقى الدولار العملة الوحيدة التي تتحكم في الاقتصاد وكل ما نشاهده ليس إلا بداية صراع القوة والتحدي، ما نشاهده هو جزء من الفوضى الخلاقة التي تحدَّث عنها في مطلع 2005 حين أدلت وزيرة الخارجية الأميركية كوندا اليزا رايس بحديث صحفي مع جرية واشطن بوست عن نية الولايات المتحدة نشر الديمقراطية في العالم وبالأخص العربي والبدء بتشكيل ما يعرف ( الشرق الاوسط الجديد ) كل ذلك عبر نشر الفوضى الخلاقة».

يتابع حسكو: «أمّا الغاية الظاهرة من الحدث السوادني هو الصراع على السلطة ولكن الغاية الخفية بين المتصارعين فهو صراع النفوذ والمصالح، فالسودان معروفة بامتلاكها لمناجم الذهب وإمكانياتها الهائلة في زراعة القطن والقمح، وموقعها الجيوسياسي حيث لها حدود واسعة مع جمهورية مصر، وحدودها مع إثيوبيا حيث سد النهضة الذي قد يفجر الوضع في المنطقة في اي لحظة وبالأخص بين مصر وإثيوبيا، والاطماع الدولية في السودان تلعب دورا محوريا في الصراع الحاصل.

أما بخصوص مجريات الأحداث في السودان وتأثيرها على الوضع في سوريا، يعتقد حسكو: «قد يزيد الوضع تعقيدا ويكون لها ارتدادات سلبية، لأن تأزم الوضع بين اللاعبين الكبار سوف يؤخر وضع الحلول للأحداث الداخلية في الدول التي توجد فيها حروب داخلية، وبالرغم محاولة بعض الدول العربية إعادة سوريا إلى الجامعة العربية وإعطاء النظام الشرعية، إلا أنني لست متفائلا لأن ليس هناك حل يرضي جميع الاطراف، وبالأخص بلورة رؤية سوريا جديدة بعد بحور من الدماء».

وبخصوص ما يحدث في منطقة الشرق الأوسط والعالم وما هو المخرج بالنسبة لشعوب المنطقة عامة والشعب السوري على وجه الخصوص يقول حسكو: «لقد تم سرقة الثورة السورية وتم تحويلها إلى كيانات تحكمها الميليشيات المافيوية وتجار الحروب، وأصبح مصير الثورة والشعب بيد دول لا تهمها سوى مصالحها، ووجدت في الساحة السورية ساحة الصراع لتصفية الحسابات. والتدخل الإيراني وميليشياتها وتركيا والموالون لها إلا زاد تعقيدا للحل ودمارا للدولة السورية، ولا أجد في الأفق بأن هناك خطة يشبه خطة (ميرشال) نسخة سورية لإعادة البناء والمصالحة الوطنية، وكتابة دستور يضمن الحريات العامة وحقوق الأقليات وبالأخص حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره. ومع هذا أقول بأنه ما زال هناك ولو أمل بسيط لحل الأزمة السورية والأزمات الحاصلة في العالم، لأنه من دون وضع حد للحروب لا يمكن بناء عالم يسوده الأمن والأمان، وأن يكون حقوق الإنسان في المقدمة».

الصراع هو صراع الاقطاب الدولية الكبرى

يتحدث الكاتب والسياسي، عبدالرحيم علي المحمود لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «بتصوري هذا الصراع هو صراع الاقطاب الدولية الكبرى، والذي قام بإشعال هذا الصراع هو روسيا من خلال حليفه قوات الدعم السريع وذلك بات واضحا من خلال دعمه لهذه القوات بأحدث الاسلحة بما فيها المضادات الجوية وايضا بزج قوات (فاغنر) الروسية في هذه المواجهات العسكرية بشكل مباشر لمساندة قوات الدعم السريع، وذلك بغية توسيع نفوذه في المنطقة وبناء قاعدة عسكرية على بحر الاحمر وذلك لتحقيق التوازن الاستراتيجي مع حلف ناتو بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، وتهديد امن واستقرار الحلفاء الاستراتيجيين لأمريكا مثل مصر وسعودية وغيرهم، مستغلا هشاشة الدول الجوار ناهيك عن اهتمام امريكا بالشأن السوداني في الآونة الاخيرة بعد الاطاحة بحكم بشير، وبالتالي تحاول روسيا استغلال هذا الصراع كورقة لتخفيف عبئ الضغط الدولي عليه في حربه مع اوكرانيا وايضا تدخله بالشأن السوري بالشكل المباشر منذ عام 2015 كونه حجر عثر في طريق اي تسوية سياسية في سوريا. ولا ننسى بان سودان دولة غنية بالمعادن الثمينة مثل ذهب ويورانيوم واذا ما استطاع روسيا وضع يده على مصادر هذه المعادن عبر حليفه قوات الدعم السريع سيصبح قادرا على بناء احتياطي اقتصادي قوي قادر في مواجهة العقوبات الدولية».

يتابع المحمود: «في الحقيقة اذا ما طال امد هذا الصراع فانه سيشكل تهديداً خطيراً على المنطقة في جميع النواحي وخاصة الدول الجوار، ومن المعروف ان صادرات مصر عبر سوق السودان تتجاوز مليار دولار سنويا، ونفس الحالة بالنسبة لجميع الدول الجارة ولو بنسب متفاوتة، ناهيك عن ان سودان تشكل السلة الغذائية الغنية في المنطقة، وبالتالي هذا الصراع يشكل تهديدا مباشرة على اقتصاد دول المنطقة، اضافة الى عمليات الهجرة والنزوح الى تلك الدول التي سيشكل عبأ اضافية على هذه الدول التي تعاني اصلا من الازمة الاقتصادية، ولا ننسى بان ظروف الحرب سيوفر البيئة المناسبة للمنظمات الراديكالية الارهابية والانتقال بين هذه الدول عبر المنافذ الحدودية مستغلا الخواصر الرخوة بين دول المنطقة، وبالتالي تهديد الامن والسلم الدوليين والمنطقة».

يضيف المحمود: «كما تبين لنا على مدى اهمية هذا الصراع بين الاقطاب الدوليين وهم انفسهم اللاعبون الاساسيون في الازمة السوري، وبالتالي لابد ان هذا الصراع المفتعل سينعكس ايجابا على الازمة السورية، كون السودان اكثر اهمية من سوريا على الساحتين الاقليمية والدولية، ناهيك ان الازمة السورية طال امدها وحقق كل طرف ماربه فيها وبالتالي سيتم استغلالها كورقة تفاوض بين الاطراف المتصارعة مع الاستعداد لتقديم التنازلات كبيرة في القضية السوريا لأجل المكاسب في الشأن السودان من جهة، ومن جهة اخرى ليتمكن روسيا من نقل قواته العسكرية من سوريا الى السودان للمكاسب الاستراتيجية».

يوضح المحمود: «بان امريكا تواجه تحديات كبيرة في الشرق الاوسط وخاصة بعد تحركات الصين – الحليف الاستراتيجي لروسيا – الاخيرة وتوليه ملف مبادرة التقارب الايراني – السعودي ودول الخليج وبالتالي تعزيز دور إيران في المنطقة وإعادة انعاشه، إضافة الى التحرك الروسي في التقارب النظام السوري مع تركيا من جهة واعادة النظام السوري الى الحاضنة العربية من جهة أخرى، كل هذا يسحب البساط من تحت الإدارة الأمريكية، باعتبار هذا التحرك يعزز مكانة حلفاء روسيا وخاصة ايران وسوريا – وهما اعداء استراتيجيون لأمريكا – على حساب حلفاء الغرب مثل تركيا ودول العربية وخاصة دول الخليج.

يشير المحمود: «بأنه لابد لشعوب المنطقة وبالأخص الشعوب الدول العربية ان يدركوا بانهم باتوا ورقة لعب على طاولات المقايضات السياسية، فاقدين سيادتهم والتحكم بمقدرات وموارد دولهم، والسبب في ذلك هو سوء ادارتهم لدولهم من خلال نظام حكمهم الشمولي ومؤسساتهم الامنية الاستبدادية ناهيك عن الفساد المستشري في جميع مفاصل دولهم. فلابد من مراجعة سريعة لوضعهم وإجراء تغييرات جذرية بدءا من صياغة دستور حضاري ترسم من خلالها شكل الدولة ونظام الحكم وفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ضمن نظام حكم ديمقراطي يضمن حقوق جميع ابناء الشعب بمختلف مكوناته وانتماءاته القومية والإثنية ويأمن لهم حياة كريمة في دولة تصون كرامة وحرية مواطنيه، هذه الآليات يولد شعبا يكون ولائه المطلق لله ثم لبلده الذي سيكون درعاً حصيناً في وجه كل من يتطاول على سيادة بلده وخيراتهم، بدلا ان يكون أداة في يد الأعداء ضد أبناء جلدته ووطنه».

وأخيراً:

يتوضح من كل ذلك أن ما يحصل في السودان ليس بمعزل لِما يحصل في سوريا، الأطراف المتصارعة هي نفسها، والغايات نفسها، التي تستند على سياسات الضغط والمقايضة. من الممكن أن يكون الصراع في سودان طريق نحو الاسراع في الوصول إلى الحل السياسي في سوريا، وفي كلا الساحتين، الخاسر الوحيد هو الشعبان السوري والسوداني.

شارك المقال