سياسة الاستذئاب

لمى قنوت

عنب بلدي – رأي

لم تعد أفعال وتصريحات المستذئبين، ناهشي حقوق الإنسان والمطبعين مع جرائم الإبادة وداعميها، مفاجئة للرأي العام، بل أصبحت سمة من عسكرة السياسة والعلاقات الدولية، طوت عبرها مرحلة، استُخدمت فيها شعارات، كالديمقراطية والسلام وحقوق النساء والمساواة لتغليف غزو واحتلال ونهب دول، فأصبحت الممارسات والتصريحات عارية من كل ادعاء، عمادها التهديد والابتزاز والاستقواء والإخضاع ودعوات لحروب نووية وقنابل ذرية، ولا عجب أن نسمع تهديدًا من قبل 12 عضوًا جمهوريًا في مجلس الشيوخ للمدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية كريم خان، إذا ما أقدم على إصدار مذكرة اعتقال بحق رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، ومسؤولين آخرين، وذلك عبر رسالة وجهت لخان، قائلين فيها: “إذا استهدفت إسرائيل سنستهدفك”، وهددوا بفرض عقوبات عليه وعلى موظفيه وشركائه، وحظر دخوله وعائلته إلى الولايات المتحدة، وختموا رسالتهم بـ: “لقد تم تحذيركَ”، وعليه دعا مكتب المدعي العام للمحكمة بالتوقف عن إرهاب العاملين فيها لأن “مثل هذه التهديدات قد تشكل جريمة بحق المحكمة المخصصة بجرائم الحرب“.

وقارن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام الخيار الذي اتخذته أمريكا خلال الحرب العالمية الثانية، بإلقائها قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناجازاكي، وبما يحق للاحتلال الصهيوني فعله، مبررًا خيار أمريكا آنذاك، ودون أي أسف وإدانة، برغبتها بإنهاء حرب لا تستطيع تحمل خسائرها، وطالب إسرائيل بأن تفعل ما تشاء وتسوي غزة بالأرض، كما فعلت أمريكا، وطالب أيضًا إدارة بايدن بتسليح الاحتلال بما يشاء من الذخائر، وبضمنها القنابل الأكبر من طرازها (مارك 84) وتزن 2000 رطل، والتي أوقف بايدن شحنها في حال غزا نتنياهو مدينة رفح جنوبي القطاع.

ووفق تحقيق لشبكة “CNN“، فقد سبق للاحتلال خلال الأيام الأولى من عدوانه على غزة، أن ألقى هذا النوع من القنابل على المدنيين الغزيين، وقتل الآلاف منهم، وبحسب التحقيق فقد كشفت صور الأقمار الصناعية عن وجود 500 حفرة يزيد قطرها على 12 مترًا، تتوافق مع وزن وقدرة ما تخلفه تلك القنابل، وهي أثقل بأربع مرات من أكبر القنابل التي استخدمتها الولايات المتحدة ضد “داعش” والمدنيين في الموصل بالعراق.

السوريون والسوريات في مرمى سياسة الاستذئاب

تلاشت الدبلوماسية وتنميق الخطاب وانتقاء العبارات، كوسيلة ابتزاز على حساب هلاك البشر، فمثلًا، سياسة فتح البحر أمام السوريين والسوريات في لبنان ليبحروا مع عوائلهم في قوارب الموت إلى قبرص وأوروبا، والتي بدأها وزير الخارجية السابق في لبنان، جبران باسيل، رئيس “التيار الوطني الحر”، حين غرد، في 4 أيار الحالي، واستخدم عبارة “افلتوا” لتجريدهم من إنسانيتهم، قائلًا: “كم مرة قلت للمسؤولين، اعملوا موقف لبناني حازم وافلتوا كم ألف سوري وشوفوا كيف الاتحاد الأوروبي بيركع على أرجل لبنان! ركضوا علينا كرمال كم مئة واحد، شوفوا بالآلاف شو بيعملوا! بتطلعوا هلقد رخاص وبتقبلوا بمليار يورو؟ بدل ما تخلّيكم هالواقعة تشدّوا حالكم أكثر؟ اليوم بدل ما يسكر لبنان البحر، يفتحه وشوفوا كيف الأوروبيين بيدفعوا المليارات للعودة بدل المليار للبقاء”.

كرر أيضًا سياسة فتح البحر، أمين عام “حزب الله”، حسن نصر الله، حين طالب لبنان باتخاذ “قرار وطني” قائلًا: “فتحنا البحر، أيها النازحون السوريون، كل من يريد أن يغادر إلى أوروبا، إلى قبرص، هذا البحر أمامكم اتخذوه سفنًا واركبوه”، أما سمير جعجع، رئيس حزب “القوات اللبنانية”، فقد وصف السوريين بأنهم الآن “شعب داشر، وممكن أن يشتغل أي شيء مقابل 50 دولارًا”، وبضمنها قتل الناس، ناهيك بساسة ونواب نزعوا الإنسانية عن اللاجئين واللاجئات وشيطنوهم، كالنائب القواتي غياث يزبك الذي وصفهم بـ”ورم سرطاني سيقتُلنا جميعًا”، وغيره ممن اعتبرهم “تهديدًا وجوديًا”، وقنبلة موقوتة”.

خلاصة القول، إن سياسة الاستذئاب القائمة على القتل المباشر أو القتل والاغتيال المعنوي للبشر وسحق إنسانيتهم والتحريض عليهم ومطاردتهم وسحلهم في الشوارع واضطهادهم، أصبحت سمة عامة لعسكرة السياسة القائمة على الإخضاع والهيمنة، وتمزيق شرعة حقوق الإنسان والقانون الدولي، تتطلب مقاومتها والاشتباك معها سياسيًا وحقوقيًا وثقافيًا نهجًا يتقاطع مع جميع قضايا الحرية والعدالة والمساواة، ضد الاحتلال والسياسات الإمبريالية والاستبداد بكل أشكاله، كيفما وأينما تجلى، سواء بحماية اللاجئين واللاجئات، وحقهم المشروع في العودة بكرامة، وبشكل طوعي وآمن، أو في حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وحقه المشروع في مقاومة الاحتلال، أو في مناهضة شركات النهب بالجنوب العالمي.

لمى قنوت By لمى قنوت باحثة وكاتبة سورية