مقارنات كارثية بين الحالة السورية… وغزة

ضفة ثالثة

تشهد صفحات السوشيال ميديا مؤخرًا خلافات كثيرة بين بعض السوريين، وبعض الفلسطينيين والفلسطينيين السوريين، حول ما يحدث في غزة، والموقف منه، يتمحور أغلبها حول دور حركة حماس في ما وصلت إليه الأمور في غزة بعد عملية السابع من تشرين الأول/ أكتوبر التي يراها بعض السوريين عملية غير محسوبة، وجاءت تنفيذًا لرغبة إيرانية، وأجندة خاصة بها لا تأخذ مصلحة الفلسطينيين بعين الاعتبار، ومن هذا المحور تتشعب الخلافات لتشمل علاقة حماس بالنظام السوري، وتحالفها معه ومع إيران ضد ثورة الشعب السوري، وتشمل أيضًا الحراك الطلابي في العالم، الذي يحاول اليسار العالمي تجييره لمصلحة ما يسمى بـ (محور الممانعة) من دون الاكتراث بما قام ويقوم به هذا المحور من جرائم استهدفت السوريين ودمرت حياتهم بالكامل، وأعادت سورية إلى عصور الانحطاط على كل المستويات، وتسببت في تغريبة أبدية للسوريين، وفي تدمير مستقبل هذا الشعب الذي كان يطالب بتغيير سياسي مثله مثل كل شعوب الأرض. وطبعًا يتم الحديث أثناء النقاش عن براغماتية تنظيمات الإسلام السياسي، حماس أنموذجًا، وتحالفها مع الأنظمة التي تضمن بقاءها في السلطة بغض النظر عن أخلاقية هذه الأنظمة ووطنيتها وعنايتها بحقوق الإنسان وحقوق شعوبها ومواطنيها. بينما يدافع الفلسطينيون وسوريون آخرون عن حماس في اللحظة الراهنة باعتبارها حركة مقاومة ضد نظام احتلال عنصري لا يتورع عن ارتكاب حرب إبادة حقيقية ضد الشعب الفلسطيني، ما يجعل من أي موقف مضاد ومعادٍ له موقفًا أخلاقيًا في الوقت الذي يحاول فيه النظام العالمي الحاكم كم الأفواه ومنع حرية التعبير تحت ذريعة معاداة السامية التي ترتكب باسمها أفظع الجرائم حاليًا، في استعادة لهولوكوست مضاد تقوم به الصهيونية ضد الفلسطينيين؛ ما يجعل بعضهم يتساءلون اليوم عن حقيقة الهولوكوست، وهل حدثت المحرقة فعلًا، أم أن ما ذكر في التاريخ عنها ليس سوى سردية من سرديات الصهيونية لتبرير احتلالها لأرض فلسطين؟
وللأسف، تنحدر النقاشات والخلافات بين الطرفين المختلفين إلى حد تبادل الشتائم السوقية العنيفة والمبتذلة، وإطلاق الاتهامات بالعمالة المتبادلة، وتناسي الحدث الرئيسي مسبب الخلاف، في محاولة لفرض كل طرف رأيه على الطرف الآخر، ما يجعلنا نشكر الظروف أن هذه الخلافات تحدث في العالم الافتراضي، مع تخيلها تحدث في الواقع، حيث تستبدل الشتيمة بطلقة، أو بلكمة، إن تعذر وجود السلاح؛ هكذا يبدو الأمر كما لو أن ما يمنع الطرفين عن القتل هو عالم الافتراض، فطرفا الخلاف هم ضحايا النظام السوري وحربه المجنونة على الشعب والثورة، وضحايا الاحتلال سابقًا ولاحقًا. كما أن غالبية المشتبكين في هذا الخلاف والجدل العقيم وتبادل الاتهامات هم ممن يعيشون خارج سورية، وخارج فلسطين، وغالبيتهم أيضًا ممن كانوا وما زالوا مع ثورة السوريين، وضد النظام السوري، وضد الحرب العبثية التي أوصلت سورية إلى حالها اليوم. وكأن الإحساس بالفشل الكبير الذي يعيشه السوريون، ومن في حكمهم، والهزيمة المهولة التي منيت بها الثورة، والفراغ الهائل الذي يشعرون به بعد أن تدمرت أحلامهم وآمالهم بالتغيير، وفقدوا كل شيء حتى الوطن، وحتى حلم العودة إليه، يجعل مظلوميتهم بمثابة هوية بديلة يتمسكون بها كي لا يفقدوا الرمق الأخير من التوازن في حياتهم، وكأن مظلومية الثورة، وما حدث لها ولهم، واسترجاعها وإسقاطها على كل الأحداث، وتفسير كل ما يحصل بالنظر إليها هي وحدها ما يشعرهم أنهم ما زالوا يقدمون لسورية ولثورتها شيئًا ما، بينما الحقيقة هي أن السوريين جميعًا عاجزون جدًا أمام هول ما حدث، وأمام فضيحة إعادة تبييض صفحة النظام السوري عربيًا على وجه الخصوص.
يجري بعض السوريين حاليًا مقارنات بين ما يحدث في غزة وما حدث في سورية خلال العقد الماضي، يقول بعضهم إن ما حدث للسوريين يتفوق على ما حدث في فلسطين منذ بداية الاحتلال وحتى الآن، ورغم أن ما أصيب به السوريون كان مرعبًا لفرط فظاعته.

“رغم أن ما أصيب به السوريون كان مرعبًا لفرط فظاعته، ولكن مجرد مقارنة ما حصل في سورية مع ما قام به الاحتلال ضد الفلسطينيين هو أمر يحمل في خفاياه بعض الاستهانة بالمجازر المرتكبة بحق الفلسطينيين”

ولكن مجرد مقارنة ما حصل في سورية مع ما قام به الاحتلال ضد الفلسطينيين هو أمر يحمل في خفاياه بعض الاستهانة بالمجازر المرتكبة بحق الفلسطينيين؛ كما أن وضع عملية طوفان الأقصى في واجهة ما يحدث، واعتبارها سببًا لحرب الإبادة الحاصلة حاليًا، وتحميل حماس المسؤولية مثلها مثل إسرائيل، سوف يؤدي في النتيجة إلى اعتبار انتفاضة السوريين ضد النظام السوري سببًا في الاستفزاز الذي شعر به النظام، فاضطر للرد العنيف! هل تفيد هذه المقارنة أحدًا، وهل هي في صالح السوريين وصالح عدالة قضيتهم وثورتهم؟ هذا طبعًا عدا عن الفرق الكبير بين ما حدث في سورية، وما يحدث في فلسطين منذ عقود، وهو فارق يمكنه أن يوضح السبب في التعاطف الشعبي العالمي الكبير مع فلسطين سابقًا وحاليًا، الأمر الذي لم تحظ به القضية السورية كما تستحق، فما يحدث في فلسطين هو احتلال واضح وصريح وبيّن ولا لبس فيه؛ نظام عنصري بشعب مستوطن قادم من كل العالم يجمعه رابط الدين فقط يحتل بلادًا تم طرد سكانها الأصليين وتهجيرهم وارتكاب المجازر في حقهم، كل مقاومة لهذا المحتل مهما كان نوعها هي مقاومة مشروعة ومبررة ولها أدبياتها المشابهة في التاريخ البشري. بينما ما حدث في سورية شأن آخر تمامًا، ثورة أو انتفاضة لقسم كبير من السوريين ضد النظام تحولت لاحقًا، وبعد مدة قصيرة، إلى حرب لا يمكن إبعاد لقب الحرب الأهلية عنها، وهو ما جعل ظروفها ملتبسة أمام الرأي العام العالمي، رغم الاعتراف الدولي بإجرام النظام ومسؤوليته عن الجرائم المرتكبة، لكن التداخلات التي حصلت بعد تسليح الثورة والسعي الحثيث لسحب البساط من تحت صفتها المدنية لصالح الإسلام الراديكالي، وفشل مؤسسات وهيئات المعارضة في إنتاج خطاب مدني وطني جامع، والإصرار على خطاب طائفي تفتيتي جر الثورة إلى منزلقات خطيرة جيرتها لصالح أجندات ممولي السلاح والحروب والموت. ومن نافل الكلام أن النظام السوري هو المسؤول الأول عن كل ما حدث، لكن ينبغي أيضًا توخي الشفافية والوضوح حين يتعلق الأمر بالخيبة من التعاطف العالمي مع الثورة ومع القضية السورية، والاعتراف أن المعارضة ومؤسساتها تتحمل جزءًا كبيرًا من الصورة التي صدرت بها الثورة السورية إلى الخارج، الصورة التي أظهرت السوريين كما لو أنهم مجموعات طائفية ومذهبية كارهة بعضها بعضًا، ولا تتورع عن القتل دفاعًا عن هوياتها المذهبية.
بالتأكيد، ثمة قصور كبير في تعاطي الرأي العام العالمي مع الثورة السورية، وثمة استسهال في تناول أحداثها، وركون إلى الخطاب الأقوى وهو خطاب النظام للأسف، ولكن هذا القصور لا يعني في حال من الأحوال شتم من يقف مع قضية فلسطين اليوم، لأنه وقف يومًا موقفًا محايدًا من الثورة السورية، أو مؤيدًا لها! نعم، هنالك ازدواجية في كثير من المواقف نحو قضايا الشعوب، وقضايا التحرر، خصوصًا موقف كثير من اليسار العالمي الذي يتقاطع مع موقف اليمين في بعض القضايا (منها القضية السورية)، لكن ينبغي أن يكون السوريون بعد كل هذه السنوات قد أدركوا أن لا مجال للتغيير في سورية من دون حل جذري للقضية الفلسطينية، وأن وجود الاستبداد الذي عجز الربيع العربي عن زحزحته ولو مترًا واحدًا في كل بلدان الربيع مرتبط بالكامل بالوجود الإسرائيلي بشكله الحالي. لن نكون واهمين ونقول إن دولة الاحتلال سوف تزول (مع أن منطق التاريخ مختلف)، لكن ما يحدث الآن يغير المعادلة بشكل واضح لصالح فلسطين وقضيتها، وهو ما سينعكس، لو حدث، على باقي الدول العربية. يمكن طبعًا فهم المظلومية السورية، وفهم الخذلان الكبير الذي نشعر به جميعًا نحن السوريين المشردين في أنحاء العالم ولا نملك ذرة أمل واحدة في العودة إلى بلدنا من دون التعرض للأذى، أو للعقاب، ما تزال أخبار الموت تحت التعذيب في المعتقلات السورية ترد يومًا بعد يوم. ولكن ذلك يجب أن يكون بابًا واسعًا لدعم القضية الفلسطينية، والانتباه إلى الارتباط الوثيق بينها وبين قضية السوريين بشكل خاص، وقضية الاستبداد العربي عمومًا، رغم العماء الأيديولوجي الذي أصاب كثيرين في العالم، ومنهم للأسف فلسطينيون كانوا داعمين بقوة لحرب النظام السوري ضد شعبه.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *